ابن يعقوب المغربي

77

مواهب الفتاح في شرح تلخيص المفتاح

بسم اللّه الرحمن الرحيم ( حمدا ) لمن أبان المعاني بأساليب البيان ، وأبدع في مقتضى أحوال الموجودات لطائف أبرزت دلائل وحدته إلى العيان ، وتنزه عن الحاجة إلى شرح غامض الكلام وتلخيصه ، وبيده مفتاح العلوم ، لتكريم من شاء بنفي الجهالة عنه وتمحيصه . والصلاة والسّلام على من ظهر سعد الدين بظهوره ، سيدنا ومولانا محمد ، الذي ببلاغة كتابه وفصاحته انبسطت على البسيطة سواطع نوره ، وعلى آله وصحابته الوارثين عنه بديع المعاني والألفاظ ، الذين هم لحقيقة كلامه ومجازه كفلاء بالبيان والاحتفاظ . ( أما بعد ) ، فإن أمر العلم قبل هذا متضائل الحجة ، متضايق المحجة حين معالمه موسومة بالاندراس ، ورجوع الحشاشة إليه من روحه بادية الإياس لتضاعف أهوال على معاشره تشيب النواصي ، بشغل كل عن نفسه بكثرة ما يقاسى ، ولترادف فاقات كاسرة لعزماتهم أشد من كسر الهام العواصى ، فهي بحيث تذوب لها الجنادل الصم القواسى ؛ حتى صار من هو منهم أهل لاقتناص أزاهره ، وجدير بنظم فرائد جواهره منبوذا بالعرا ، ملزوم أفنية الورى ، منقطع المدد في تلك المدد " 1 " ، لا يأوى له أحد ، فهام حزب أهل العلم في ظلمات الافتقار ، وطال عليهم ليل الإلغاء والاحتقار ، إلى أن تداركهم نعمة من ربهم بطلوع طالع السعادة لحزبهم ، وذلك بظهور الدولة الشريفية ، المولوية الهاشمية الإسماعيلية ، فإذا بدور عزهم طالعة مسفرة ، وإذا وجوه أفراحهم ضاحكة مستبشرة ، فذهبوا حينئذ في العلوم كل مذهب ، وتسمنوا في المدارك أعلى ما يطلب ، فعمّت مجالس التدريس مساجدهم وغشيت رحمة التعاطي للمفهوم معاهدهم ، فصارت حجج العلم لديهم تتمايل اتضاحا ، وشبهات الجهل في جانبهم تتضاءل افتضاحا ، ولم يزالوا في الارتقاء في تلك المدارج ، وفي التنافس فيها دائما طلبا لسلوك أعدل المناهج ، إلى أن بلغوا أعلى مراتب الإنشاء والتأليف ، فصاروا بعد التعلم والتعرف رؤوس التعاليم والتعاريف ، ثم زادهم من لا يخيب لآمل أمله ، ولا يبطل لعامل مؤمن عمله نعمة منه بأن جعل خليفته فيهم هو المنصور باللّه تعالى مولانا إسماعيل ، رأس

--> ( 1 ) بين المدد بالفتح والمدد بضم الميم جناس ناقص ، والمدد هو العون ، والمدد جمع مدّة وهي الجزء من الزمان .